محمد بن الطيب الباقلاني

54

إعجاز القرآن

بيتان فصاعدا . وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الاسلام . وقالوا أيضا : إن ما كان على وزن بيتين ، إلا أنه يختلف وزنهما أو قافيتهما ( 1 ) - فليس بشعر . / ثم منهم من قال : إن الرجز ليس بشعر أصلا ، لا سيما إذا كان مشطورا أو منهوكا . وكذلك ما كان يقاربه ( 2 ) في قلة الاجزاء . وعلى هذا يسقط السؤال . ثم يقولون : إن الشعر إنما يطلق ، متى قصد القاصد إليه - على الطريق الذي يعتمد ويسلك ، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء ، دون ما يستوي فيه العامي والجاهل ، والعالم بالشعر واللسان وتصرفه وما يتفق من كل واحد ، فليس يكتسب اسم الشعر ولا صاحبه اسم شاعر ، لأنه لو صح أن يسمى كل من اعترض في كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر ، أو تنتظم انتظام بعض الأعاريض ، كان الناس كلهم شعراء ، لان كل متكلم لا ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله ، ما قد يتزن بوزن الشعر وينتظم انتظامه . ألا ترى أن العامي قد يقول لصاحبه : " أغلق الباب وائتني بالطعام " . ويقول الرجل لأصحابه " أكرموا من لقيتم من تميم " ؟ ومتى تتبع الانسان هذا [ النحو ] عرف أنه يكثر في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه ( 3 ) . / وهذا القدر الذي يصح فيه التوارد ، ليس يعده أهل الصناعة سرقة ، إذا لم تعلم فيه حقيقة الاخذ . كقول امرئ القيس : وقوفا بها صحبي على مطيهم * يقولون لا تهلك أسى وتجمل ( 4 )

--> ( 1 ) س : " يختلف رويهما وقافيتهما " ( 2 ) س : " يقارنه " ( 3 ) قال الجاحظ في البيان والتبيين 1 - 288 : " ويدخل على من طعن في قوله : ( تبت يدا أبى لهب ) وزعم أنه شعر لأنه في تقدير مستفعلن مفاعلن . . . فيقال له : اعلم أنك لو اعترضت الناس وخطبهم ورسائلهم لوجدت فيها مثل مستفعلن مستفعلن كثيرا ، ومستفعلن مفاعلن . وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعرا . ولو أن رجلا من الباعة صاح : من يشترى باذنجان ؟ لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولات ! وكيف يكون هذا شعرا وصاحبه لم يقصد إلى الشعر ؟ ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام . وإذا جاء المقدار الذي يعلم أنه من نتاج الشعر والمعرفة بالأوزان والقصد إليها ، كان ذلك شعرا . وسمعت غلاما لصديق لي ، وكان قد سقى بطنه ، وقد يقول لغلمان مولاه : اذهبوا إلى الطبيب وقولوا : قد اكتوى . وهذا الكلام يخرج وزنه على خروج فاعلاتن مفاعلن . فاعلاتن مفاعلن . مرتين . وقد علمت أن هذا الغلام لم يخطر على باله قط أن يقول بيت شعرا أبدا . ومثل هذا كثير ، ولو تتبعته في كلام حاشيتك وغلمانك لوجدته " . ( 4 ) ديوانه ص 125 .